12 يناير 2010 |
|
Tuesday, ۲٦ Muharram ۱٤۳۱ بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمد للَّه الذي رفع درجات العلماء وفضّلهم على الشهداء، وصلّى اللَّه على محمّد وآله النجباء. وبعدُ... فمن المتعارف عليه أن تهتم الأمم بتراجم رجالاتها الذين لهم الفضل في رقيّها؛ فتقوم بمختلف توجهاتها الفكرية والعقدية برصد رجالاتها، وذكر ما تميّزوا به من صفات، وما أضافوه إلى البشرية من علوم وفنون. وإنّ تقدير أهل العلم والمعرفة لهو دليل على رشد الأمّة ووعيها، ومن هنا سار أعلامنا على هذا الطريق فكتبوا المؤلّفات المتعدّدة في التراجم والسير وبطرق مختلفة، فمن بين كتاب جامع لرجالات الفكر والعلم والأدب في مختلف العصور إلى كتاب مختصر يتناول رقعةً جغرافية محدّدة، أو كتابٍ يقتصر فيه على معلومات مختصرة، وهكذا... وإنّ الكتاب الماثل بين يديك يتناول تراجم أعلام (القطيف والأحساء والبحرين)، فقد كتبه الباحث المحقق الشيخ محمّد علي التاجر؛ ليستوعب ذكر أعلام هذه البلدان التي توحّد ما بينها الروابط القويّة، التي جعلت منها منطقة واحدة يبحث عن تاريخها ورجالها في كتاب واحد.
(منتظم الدّرين في أعيان الأحساء والقطيف والبحرين) عنوانٌ لكتابٍ مهمٍّ في تاريخ هذه المنطقة المِعطاء، وقد بقي مخطوطاً مع مضي أكثر من أربعين عاماً على وفاة مؤلّفه، هذا مع شدّة الحاجة إلى مثل هذا الكتاب، الذي يعكس صفحةً ناصعةً من تاريخ هذه البلاد، الذي ضاع أكثره، ولم يصلنا سوى نزرٍ يسيرٍ منه، فعسى أن يشكّل هذا الكتاب حلقةً تضاف إلى حلقات أخرى يستفاد منها في صياغة تاريخ هذه البلاد. وتبرز أهميّة هذا الكتاب في التتبع الذي تميّز به المؤلّف حيث كان مطلعاً في التراجم والتاريخ واللغة والأدب، مضافاً لجمعه الكثير من المخطوطات النادرة والوثائق المهمّة التي ساعدته في الحصول على معلومات مفيدة في تراجمه لأعلام المنطقة. والذي يلاحظ مراسلاته العلمية مع المهتمين بتراث المنطقة أمثال العلّامة الحجّة الشيخ فرج آل عمران القطيفي (ت 1398 ه) يدرك مدى اهتمامه الكبير بالجانب الفكري والأدبي والتاريخي لهذه البلاد([1] )، ففي المراسلة الأولى بينهما سنة 1361هـ، بعث المؤلّف رسالة مفصّلة([2] ) تحتوي على تسع صفحات، مشتملة على بعض النظرات الأدبيّة والملاحظات التاريخيّة على كتاب (تحفة أهل الإيمان في تراجم آل عمران) للشيخ فرج آل عمران، الذي أثنى على المؤلّف في جوابه على رسالته، حيث قال: (إنّ تلك النظريات والملاحظات برزت من قوة شاعرة حسّاسة، وفكرة وقادة نقّادة، فأهنّي وطنك السعيد (البحرين) بمثل شخصيتك البارزة وأدبك البارع وشعورك الحي) ([3] ). ومما يشير إلى اهتمام المؤلّف البالغ قوله في المرسلة السابقة: (وتجدون برفقة هذه - أي: الرسالة - بعض ما عثر عليه الناظر القاصر من أحوال بعض سلفكم الصالح -قدّس اللَّه أسرارهم - في أثناء اشتغالي بتتبع أحوال أولي الفضيلة والأدب، ولا زلت صارفاً جلّ أوقاتي في ذلك، فأرجوكم إمدادي بمساعدتي الأدبيّة، وتقبّلوا تشكراتي لجنابكم العالي) ([4] ). وهكذا.. نجد المؤلّف يقرأ ويتابع ويسأل عن تاريخ المنطقة وعلمائها، فنرى له مرسلة اُخرى للعلّامة العمران مؤرّخة بشهر جمادى الثانية سنة 1387 هـ([5] ) ، - أي: قبل وفاته بشهرين - وبين المرسلتين - الأولى والأخيرة -ستّ وعشرون سنة وهو ما زال يحمل همّ التراث، ويتابع الإصدارات ويتأمل في المعلومات، ويضيف الفوائد، ممّا جعله علّامة متتبعاً في الأدب والتاريخ، كما قال عنه الأنصاري في كتابه (لمحات من الخليج): »كان له اطلاع على المصادر المتعلّقة بأدب البحرين وتاريخها في القرون الأخيرة« ([6] ). والذي نقرأه هنا من هذه المراسلات بين المؤلّف والشيخ العمران هو شدة اهتمامهما بتراث المنطقة، وقد برز عن ذلك هذا الكتاب كما برز عنه المؤلّفات المتعددة للشيخ العمران، وجلّها تصبّ في تاريخ المنطقة وتراجم علمائها. وهو درس عملي لنا لإكمال المسيرة وخصوصاً في هذا الزمان الذي توفّرت فيه إمكانيات لم تتوفر لهم سابقاً، ولا ينقصنا سوى الشعور الحيّ - على حدّ تعبير العلّامة العمران - والهمّة العالية، حيث ما زالت الهمم قاصرة عن أمثال هذه المشاريع، كما يلاحظ ذلك مَن سلك هذا الطريق، نسأله تعالى التوفيق والتسديد. من خصائص الكتاب: تميّز الكتاب بعدة خصائص، منها: (1) سعة تراجمه لتشمل: القطيف، والأحساء، والبحرين، من دون اختصاصه بطائفة خاصّة ولا زمانٍ مخصوص، بل ترجم فيه سائر الطوائف في مختلف الأزمنة بما تيسّر له من مصادر، كما لم يختص بالعلماء فقط، بل ترجم غيرهم من الشعراء والأدباء والوجهاء. (2) اشتماله على تراجم كثيرة للأعلام من الماضين والمعاصرين، مما لا نجده في كتاب آخر. (3) التتبع التام في التراجم المذكورة، فنراه يستدرك ويضيف ما يستجد له من معلومات، وقد لاحظنا ذلك في الكثير من التراجم. (4) اعتماده على مخطوطات مهمّة تشتمل على معلومات كالتملّكات والناسخين والإجازات، وما إلى ذلك. (5) اعتماده على وثائق مهمّة كانت بين يديه. (6) نقله لنصوص تامّة في بعض التراجم، مما يفيد في كثيرٍ من التراجم، لعدم توفر بعض هذه الكتب. (7) نقل الكثير من القصائد التي لم يحوها أيُّ كتاب آخر. (8) عدم الاقتصار على عناوين التراجم المذكورة في الكتب المتخصصة، بل تجاوز ذلك إلى كتب الحديث واللغة والأدب والتاريخ، فرصد الأسماء المنسوبة إلى إحدى هذه البلدان وعنونها في هذا الكتاب. إنّ هذه الخصائص جعلت منه مصدراً يعتمده جلّ من كتب حول هذه البلاد، كالسيّد حسن الأمين في (مستدركات الأعيان)، وغيره، بل صار هو المادّة الأساسيّة لبعض ما كتب حول تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين. تحقيق الكتاب: عثرنا على مصورتي نسختين خطيتين من هذا الكتاب: الأولى: نسخة كتبت في دفتر كبير توجد فيه أرقام بلغة (الأردو) في الجانب الأيسر مضافاً لأعلى الصفحة، والذي يبدو أنّها نسخة ما قبل المبيضّة الأخيرة، لأنّها غير كاملة، وقد تركت فراغات في الكتاب للاستدراك، كما كتبت أسماء من دون ذكر تراجم لها، مع وجود استدراكات على تراجم متقدّمة، وبعض التراجم اكتفى فيها بذكر مصدر الترجمة من دون نقلها، مما يدل على وجود نسخة مبيضّة، أو أنّ المؤلّف كان عازماً على ذلك، واللَّه العالم. وهذه النسخة كتبت بخط واضح، وفيها بعض الإضافات بقلمٍ مغاير يظهر أنه بقلم المصنِّف. ومصوّرة هذه النسخة غير واضحة، وقد وصلتنا أوراقاً مفرّقة وغير مكتملة الترقيم، وعدد صفحاتها 489 صفحة، وقد رمزنا لهذه النسخة ب(أ). الثانية: نسخة أخرى بخط المصنّف أيضاً، ويبدو أنّها نسخةٌ أقدم من الاُولى، وهي غير مكتملة أيضاً، وقد وصلتنا أورقاً مبعثرة وغير مرتّبة، وقد رمزنا لها بالرمز (ب). وقد حصلنا على هذه النسخة بواسطة الأخ الفاضل الشيخ محمّد عيسى آل مكباس البحراني، فجزاه اللَّه خيراً. ويشير الأستاذ سالم النويدري في كتابه (أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين) إلى وجود نسخة خطيّة منه لدى ابن المؤلّف الأستاذ علي، ولا ندري هل أنّها عين هذه النسخة أو أنّها نسخة أخرى. الثالثة: نسخة استنسخها الباحث الحاج جواد الرمضان حفظه اللَّه عن النسخة السابقة، وعليها بعض تعاليقه، وقد استفدنا منها في بعض التراجم. وهي تشتمل على مجلّدين، الأوّل منهما يقع في 290 صفحة ويبدأ فيه بترجمة إبراهيم بن أحمد بن صالح الدرازي، ويختم بترجمة: زين الدّين بن محمّد بن سليمان المقابي البحراني، والمجلّد الثاني يبدأ بترجمة سالم بن أبي الجعد العبدي، وينتهي بترجمة قاسم بن محمّد حسن المحل البحراني، ويقع في 171 صفحة. ويظهر من هذا عدم تمامية نسخ الكتاب، أو أنّ هذا هو ما وصلنا منه. مراحل العمل: لمّا كانت النسخة المخطوطة التي بين أيدينا غير مكتملة، وليست هي النسخة المبيضّة - كما هو الظاهر - وكان الجهد الذي قام به المصنّف كبيراً، فقد يقع الاشتباه في نسبة بعض المعلومات إلى المترجَمين، كما أنّ هناك تداخلاً في بعض العناوين والمعلومات، مضافاً للاستدراكات والتكرار في بعض التراجم، وهذا شيء طبيعي بحجم العمل والمسؤلية التي قام بها المؤلّف - جزاه اللَّه خيراً - فقد عانينا الكثير في تحقيق الكتاب، ويمكن تلخيص مراحل العمل إلى: أوّلاً: محاولة ضبط الترجمة، بذكر المترجَم وما يخصه من المعلومات التي يذكرها المؤلّف في نفس الترجمة أو مما يذكره لاحقاً كاستدراك أو إعادة اسم المترجَم مع شيءٍ من التبديل وإضافة بعض المعلومات، حيث يتم التأكد من وحدة المترجَم لتوحّد بعدها الترجمة، وهذا يستدعي استقراءً للكتاب ومراجعةً للمصادر حتى يتم البت في ذلك. ثانياً: التثبت من التواريخ التي يذكرها المؤلّف. ثالثاً: التدقيق في اسم المترجَم والتأكد منه حذراً من التكرار، كما لاحظناه في بعض التراجم. رابعاً: التدقيق في أسماء الكتب وعناوين المؤلّفات التي تنسب للمترجَمين. خامساً: استخراج المصادر التي ينقل عنها المؤلّف والعمل على مقابلتها وتصحيح ما وقع فيها من أخطاء أو اشتباهات. سادساً: أضفنا بعد كلّ ترجمة ثلاثة مصادر رئيسية - إن وجدت - حيث يمكن الاستعانة بها للحصول على المزيد من المعلومات حول المترجَم. سابعاً: ضبط الشعر الذي أورد المصنّف كثيراً منه، وقد عانينا في كثيرٍ منه لعدم وضوح النسخة التي بين أيدينا، وعدم وجود مصدرٍ لهذه الأشعار حتى نصححها على مصادرها. ثامناً: التعليق في بعض الموارد إذا اقتضت الضرورة ذلك. تاسعاً: تقويم النص وتوزيع فقراته بما هو متعارف في فن التحقيق. عاشراً: ترقيم التراجم، بعد وضعها في مكانها المناسب. المؤلّف في سطور([7] ): هو الشيخ محمّد علي بن أحمد بن عباس (التاجر) بن علي بن الشيخ إبراهيم ابن محمّد بن حسين آل نشرة الماحوزي. أسرته: ينتمي إلى إحدى الأسر المعروفة في (المنامة) وهي أسرة (التاجر)، ومن أعلام هذه الأسرة: جدّه الشيخ إبراهيم آل نشرة، وأخوه الشيخ سلمان التاجر، وابن أخيه الشيخ أحمد بن سلمان التاجر. من أعماله: 1- إنشاء مكتبة عامّة أطلق عليها (مكتبة إقبال أوال)، وقد شاركه في إنشائها ثلة من المثقّفين، وذلك في عام 1913 م. 2- إنشاء مكتبة خاصة به في سوق (المنامة)، وقد اشتملت على مخطوطات وكتب ووثائق نادرة لها أهميتها في تاريخ المنطقة، كما كانت منتدى ثقافياً للعلماء والمهتمين بالفكر والأدب، وقد استفاد منها في تأليف كتابه هذا. وقد بيعت هذه المكتبة الثمينة في المزاد العلني بعد وفاته، واستنقذ بعضها بعضُ المهتمّين بتراث المنطقة. مؤلّفاته: 1 - كتاب (منتظم الدرين في أعيان الأحساء والقطيف والبحرين). وهو الكتاب الماثل بين يديك، وقد تقدّم الحديث عنه. وقد ذكره في الذريعة مع تصحيف في اسمه إلى (منتظم الدرر)، قال؛: (منتظم الدرر: للشيخ محمّد علي التاجر البحراني، المعاصر، ساكن المنامة. فيه تراجم أعيان العلماء وغيرهم، من السّنة والشيعة وغيرهم، من القطيف والأحساء، في أربعة مجلّدات) ([8] ). 2 - كتاب (عقود اللآل في تاريخ أوال). يتناول تاريخ البحرين في عصورها المختلفة، وقد طبع الكتاب في البحرين، ولدينا مصوّرة نسخته المخطوطة. وفاته: توفي؛ عصر الخميس 19 من شهر رمضان سنة 1387 ه، ودفن في المقبرة الكبيرة المعروفة ب(مقبرة الحورة). كلمة شكر وعرفان: ولا يفوتنا في ختام هذه المقدّمة أن نشكر الأخ الباحث المحقق الشيخ فاضل الزاكي البحراني - دام موفّقاً -، على تفضّله بمراجعة الكتاب وإبداء ملاحظاته المهمّة التي ساهمت في إبراز الكتاب بهذه الصورة، كما نشكر الأخ العزيز السيد علي الغريفي على ما بذله من جهد كبير في هذا الكتاب خلال عمله معنا في قسم التراجم، سائلين منه تعالى التوفيق للجميع. والمرجوّ من الأخوة المحققين إبداء ملاحظاتهم حول تحقيق الكتاب، وتنبيهنا على ما وقعنا فيه من أخطاء حتى يتم استدراك ذلك في طبعات لاحقة؛ فإنّ المهمّة صعبة، وقد قمنا بما تيسّر لنا، واللَّه من وراء القصد، وهو حسبُنا ونعم الوكيل. كتبه ضياء بدر آل سنبل مؤسسة طيبة لإحياء التراث قم المقدسة - 14 / ربيع 2 / 1429 هـ
([1]) انظر: الأزهار الأرجية 1: 118 - 126، و3: 67 - 73، و12: 5 – 7. ([2]) تجدها في الأزهار الأرجيّة 1: 118 - 126. ([4]) الأزهار الأرجيّة 1: 119 . ([5]) الأزهار الأرجية 12 : 5 . ([6]) عنه في أعلام الثقافة 2: 766. ([7]) اعتمدنا في ترجمته على كتاب (أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين) للاُستاذ سالم النويدري، فقد ترجمه فيه في ج 2، ص 766 - 770. ([8]) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 23: 3.
آخر تحديث ( Wednesday, ۲٥ Safar ۱٤۳۱ ۱۸:٥٦ ) مقالات تابعه
|


